إسلام حمزة رضي الله عنه :
أما إسلام حمزة فسببه أن أبا جهل مر يوماً برسول الله وهو عند الصفا ، فنال منه وآذاه ، ويقال إنه ضرب بحجر في رأسه فشجه، ونزف منه الدم ، ثم انصرف إلى نادي قريش عند الكعبة، وجلس معهم، وكانت مولاة لعبد الله بن جدعان تنظر ما حدث من مسكن لها على الصفا، وبعد قليل أقبل حمزة من الصيد متوحشاً قوسه، فأخبرته الخبر ، فخرج حمزة يسعى حتى قام على أبي جهل، وقال : يا مصفر استه ! تشتم ابن أخي، وأنا على دينه ، ثم ضربه بالقوس ، فشجه شجه منكرة ، وثار لحيان : بنو مخزوم وبنو هاشم ، فقال أبو جهل : دعوا أبا عمارة – أي حمزة – فإني سببت ابن أخيه سباً قبيحاً .
وكان إسلام حمزة أنفة، كأن اللسان قد سبق إليه دون قصد، ثم شرح الله صدره للإسلام، وكان أعز فتى في قريش، وأقواهم شكيمة، حتى سمي أسد الله، أسلم في ذي الحجة سنة ست من النبوة .
إسلام عمر رضي الله عنه :
بعد ثلاثة أيام من إسلام حمزة أسلم عمر بن لخطاب وكان من أشد الناس قسوة على المسلمين قبل إسلامه، وفي ليلة سمع سراً بعض آيات القرآن ، ورسول الله يصلي عند الكعبة، فوقع في قلبه أنه حق ، ولكنه بقي على عناده ، حتى خرج يوماً متوشحاً سيفه يريد أن يقتل النبي فلقيه رجل، فقال: أين تعمد يا عمر ! قال : أريد أن أقتل محمداً . قال : كيف تأمن من بني هاشم ومن بني زهرة، وقد قتلت محمداً ؟ قال عمر: ما أراك إلا قد صبوت ؟ قال: أفلا أدلك على العجب يا عمر ؟ إن أختك وختنك قد صبوا، فمشى مغضباً حتى أتاهما، وعندهما خباب بن الأرت يقرئهما صحيفة فيها طه، فلما سمع حس عمر توارى في البيت، وسترت أخت عمر الصحيفة، فلما دخل، قال : ما هذه صبوتما ؟ فقال له ختنه : يا عمر ! أرأيت إن كان الحق في غير دينك ؟ فوثب عمر على ختنه، فوطئه وطأ شديداً، فجاءت أخته فرفعته عن زوجها، فنفحها نفحة بيده فدمى وجهها ، فقالت وهي غضبى: يا عمر إن كان الحق في غير دينك. أشهد أن لا إله الله وأن محمداً رسول الله .
ويئس عمر وندم واستحي، قال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فاقرؤوه. فقالت أخته : إنك رجس ، ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل، فقام فاغتسل، فقام فاغتسل ثم أخذ الكتاب فقرأه : {بسم الله الرحمن الرحيم} فقال : أسماء طيبة طاهرة ، ثم قرأ طه حتى انتهى إلى قوله تعالى: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } فقال : ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ؟ دلوني على محمد .
وخرج خباب فقال : أبشر يا عمر ! فإني أرجوا أن تكون دعوة الرسول الله لك يوم الخميس – وكان قد دعا النبي تلك الليلة : اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك ، بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام – ثم ذكر له خباب أن رسول الله في دار الأرقم التي في أصل الصفا .
فخرج عمر حتى أتى الدار وضرب الباب، فأطل رجل من صرير الباب فرآه متوحشاً السيف، فأخبر رسول الله واستجمع القوم ، فقال حمزة : مالكم ؟ قالوا : عمر. فقال : وعمر، افتحوا له الباب ، فإن يريد الخير بذلناه له، وإن كان جاء يريد شراً قتلناه سيفه. ورسول الله داخل يوحى إليه ، ثم خرج فأخذ بمجامع ثوب عمر وحمائل سيفه – وهو في الحجرة – فجبذه بشدة ، وقال : أما تنتهي يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما نزل بالوليد بن المغيرة ؟ ثم قال : اللهم هذا عمر بن الخطاب، اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب . فقال عمر : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ، فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد.
ردة فعل المشركين على إسلام عمر :
كان عمر ذا شكيمة لا يرام، فلما أسلم ذهب إلى أشد قريش عداوة لرسول الله وإيذاء للمسلمين ، وهو أبو جهل ، فدق بابه ، فخرج ، وقال: أهلاً وسهلاً ما جاء بك ؟ قال: جئتك لأخبرك أني آمنت بالله ورسوله محمد، فأغلق الباب في وجهه، وقال: قبحك الله ، وقبح ما جئت به . وذهب عمر إلى خاله العاصي بن هشام فأعلمه فدخل البيت.
وذهب إلى جميل بن معمر الجمحي – وكان أنقل قريش لحديث –فأخبره أنه أسلم ، فنادى جميل بأعلى صوته أن ابن الخطاب قد صبأ، فقال عمر : كذب ، ولكني قد أسلمت، فثاروا إليه، فلما زال يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم .
ولما رجع إلى بيته اجتمعوا وزحفوا إليه، يريدون قتله، حتى سال بهم الوادي كثرة، وجاء العاص بن وائل السهمي – من بني سهم، وكانوا حلفاء بني عدي قوم عمر – وعليه حلة حبرة، وقميص مكفوف بحرير ، فقال : مالك ؟ قال : زعم قومك أنهم سيقتلونني أن أسلمت، قال : لا سبيل إليك، ثم خرج فوجد الناس قد سال بهم الوادي ، فقال : أين تريدون ؟ قالوا هذا ابن الخطاب قد صبأ، قال : لا سبيل إليه. فرجعوا .
عزة الإسلام والمسلمين بإسلام عمر :
أما المسلمون فقد وجدوا عزة وقوة كبيرة بإسلام عمر، فقد كانوا قبل ذلك يصلون سراً ، فلما أسلم عمر قال : يا رسول الله ألسنا على الحق وإن متنا وإن حيينا ؟ قال : بلى . قال : فيم الاختفاء ؟ والذي بعثك بالحق لنخرجن ، فخرجوا به في صفين، حمزة في أحدهما وعمر في الآخر، لهم كديد ككديد الطحين ، حتى دخلوا المسجد الحرام، فلما نظرت إليهما قريش أصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، ولذلك سمي الفاروق
قال بن مسعود : ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر ، وقال ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر
وقال صهيب : لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقاً، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلط علين، ورددنا عليه بعض ما يأتي به .
عرض الرغائب والمغريات :
ولما رأى المشركون قوة المسلمين وشوكتهم بعد إسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما اجتمعوا لشورى بينهم. وليفكروا في أنسب خطوة يقومون بها في أمر رسول الله والمسلمين. فقال لهم عتبة بن ربيعة العبشمي – من بني عبد شمس بن عبد مناف، وكان سيداً مطاعاً في قومه – يا معشر قريش ! ألا أقوم لمحمد فأكلمه ، وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها فنعطيه إياها ويكف عنا ؟ فقالوا : بلى يا أبا الوليد ! فقم إليه فكلمه . فذهب إلى رسول الله وهو جالس في المسجد وحده . فقال : يا ابن أخي ! إنك من حيث قد علمت ، من خيارنا حسباً ونسباً ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت به جماعتهم ، وسفهت أحلامهم ، وعبت آلهتهم ودينهم ، وكفرت من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها .
فقال عليه الصلاة والسلام: ” قل يا أبا الوليد أسمع ” .
فقال: يا ابن أخي ! إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشراً، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً من الجن لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه.
فقال عليه الصلاة السلام : ” أو قد فرغت يا أبا الوليد ” !
قال : نعم .
قال : ” فاسمع مني ” .
قال : أفعل .
فقرأ رسول الله :{بسم الله الرحمن الرحيم حم{1} تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ{2} كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ{3} بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ{4} وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ{5}} .
ومضى رسول الله يقرؤها عليه ، وهو يستمع منه، وقد ألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما، فلما بلغ رسول الله إلى قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} وضع عتبة يده على فم رسول الله وناشد الله والرحم مخافة أن يقع في ذلك، وقال : حسبك .
ولما انتهى رسول الله إلى السجدة سجد ، ثم قال :” سمعت يا أبا الوليد ” ؟
قال : سمعت .
قال : ” فأنت وذاك ” .
فقام عتبة إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به . فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟
قال : ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط. والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة . يا معشر قريش ! أطيعوني واجعلوا لي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم ، وعزه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به .
قالوا : سحرك والله يا أبا الوليد .
قال : هذا رأيي فيه ، فاصنعوا ما بدا لكم .
مساومات وتنازلات :
ولما فشل المشركون في هذا الإغراء والترغيب، فكروا في المساومة في الدين ، فقالوا له : نعرض عليك خصلة واحدة لك فيها صلاح .
قال : ” وما هي ” ؟
قالوا : تعبد آلهتنا سنة. ونعبد إلهك سنة، فإن كنا على الحق أخذت حظاً ، وإن كنت على الحق أخذنا منه حظاً ، فأنزل الله – تعالى – :}قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ{1} لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ{ إلى آخر السورة ، وأنزل :{قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ { [39-64] وأنزل أيضاً:}قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ} .
وكان المشركون حريصين على حسم الخلاف، آملين ما رجاه عتبة بن ربيعة ، فأبدوا مزيداً من التنازل ، ومالوا إلى قبول ما يعرضه رسول الله ولكن اشترطوا بعض التعديل والتبديل فيما أوحي إليه ، فقالوا : { ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ} فأمره الله تعالى :{قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}
[ 10-15] ونبهه الله على عظم هذا، فقال وهو يذكر بعض ما دار في خلد النبي من الخواطر حول ذلك: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً{73} وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً{74} إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} [17:73:75]
وبهذه المواقف الصارمة تبين للمشركين أن النبي قائم بالدعوة إلى الدين، وليس بتاجر حتى يقبل المساومة أو التنازل في الثمن، فأرادوا التأكد من ذلك عن طريق أخرى . فأرسلوا إلى يهود يسألونهم عن أمر النبي فقالت لهم أحبار اليهود : سلوه عن ثلاث، فإن أخبر فهو نبي مرسل، وإلا فهو متقول . سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ، ما كان أمرهم ؟ فإن لهم حدثياً عجبا ، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ما هي ؟
فسألت عظماء قريش رسول الله عن ذلك، فنزلت سورة الكهف فيها قصة أولئك الفتية، وهم أصحاب الكهف، وقصة ذلك الرجل الطواف، وهو ذو القرنين .
ونزل في سورة الإسراء الرد على سؤالهم عن الروح ، وهو قوله تعالى :{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }[17:85]
وكان هذا الاختبار يكتفي لاقتناع قريش بأن محمداً رسول حقاً ، لو أرادوا الحق ، ولكن أبي الظالمون إلا كفوراً .
وكأنهم لما اتضحت لهم الحقائق، وتبين لهم الحق ، أبدوا بعض المرونة ، فقد أبدوا استعدادهم لاستماع ما يقوله النبي علهم يستجيبون ويقبلون، ولكن اشترطوا أن يخصص لهم مجلس لا يحضره ضعفاء المسلمين . وهم العبيد والمساكين الذين سبقوا إلى الإسلام، وذلك لأن هؤلاء الكفار الذين طالبوا بذلك كانوا سادات مكة وأشرافها، فأبوا واستنكفوا أن يجلسوا مع هؤلاء المساكين الذين كانوا أصحاب الإيمان والتقوى .
وكأن النبي رغب في استجابة مطلبهم هذا بعض الرغبة رجاء أن يؤمنوا به ، فنهاه الله عن ذلك ، وأنزل قوله { وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [ 6:52]
الاستعجال بالعذاب :
ربما كان النبي أوعد المشركين بعذاب الله إن استمروا على مخالفته ، – كما سبق – فلما أبطأ العذاب طفقوا يستعجلون به على سبيل السخرية والعناد، وتظاهروا بأن هذا الوعيد لم يؤثر فيهم ، ولن يتحقق أبداً ، فأنزل الله في ذلك آيات ، منها قوله تعالى:{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ } [ 22:47] ومنها قوله تعالى:{يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [ 29: 54] ومنها قوله تعالى :{ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ{45} أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ{46} أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ}[ 16: 45: 47] وغير ذلك من الآيات .
وكان من جملة مجادلة المشركين أنهم كانوا يطالبون بالآيات من المعجزات خوارق العادات عناداً وتعجيزاً ، فأنزل الله في ذلك ما بين به سنته، وقطع به حجتهم . وسنمر على شيء من ذلك في الفصول القادمة إن شاء الله.
تلكم هي المحاولات التي واجه بها المشركون رسالة محمد ودعوته ، وقد مارسوها كلها جنباً إلى جنب متنقلين من طور إلى طور ، ومن دور إلى دور. فمن شدة إلى لين، ومن لين إلى شدة ، ومن جدال إلى مساومة، ومن مساومة إلى جدال ، ومن هجوم إلى ترغيب ، ومن ترغيب إلى هجوم ، كانوا يثيرون ثم يخورون ، يجادلون ثم يجاملون، ينازلون ثم يتنازلون، يوعدون ثم يرغبون، كأنهم يتقدمون ويتأخرون، لا يقر لهم قرار، ولا يعجبهم الفرار. وكان عرضهم من كل ذلك كف دعوة الإسلام ولم شعث الكفر، لكنهم بعد ذلك بذل مل الجهود عادوا خائبين خاسرين ، ولم يبق أمامهم إلا خيار واحد، وهو السيف، والسيف لا يزيد الفرقة إلا شدة، ولا يفضي إلا إلى تناحر لعله يستأصل شأفتهم، فاحتاروا ماذا يفعلون .
أما أبو طالب فإنه لما واجه مطالبتهم بتسليم النبي إليهم ليقتلوه، ثم رأي في تحركاتهم وتصرفاتهم ما يؤكد أنهم يريدون قتله – مثل ما فعله أبو جهل ، وعقبة بن أبي معيط ، وعمر بن الخطاب – جمع بني هاشم وبني المطلب ودعاهم إلى القيام بحفظ النبي فأجابوه إلى ذلك كلهم مسلمهم وكافرهم، وتعاقدوا وتعاهدوا عليه عند الكعبة، إلا أبو لهب ، فإنه فارقهم ، وكان مع قريش.
المقاطعة العامة وفرض الحصار :
زادت حيرة المشركين إذ نفدت بهم الحيل ، ووجدوا بني هاشم وبني المطلب مصممين على حفظ النبي والقيام دونه كائناً ما كان ، فاجتمعوا في خيف بني كنانة ليدرسوا الموقف الراهن ، ويقضوا فيه ، فاستشاروا ثم استشاروا حتى وصلوا إلى حل غاشم تحالفوا عليه. وهو أنهم لا يناكحون بني هاشم وبني المطلب ، ولا يبايعونهم، ولا يجالسونهم ، ولا يخالطونهم ، ولا يدخلون في بيوتهم ، ولا يكلمونهم ، ولا يقبلون منهم صلحاً أبداً، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا إليهم رسول الله للقتل .
تحالفوا على هذا القرار، وكتبوا بذلك صحيفة علقوها في جوف الكعبة وكان الذي كتبها بغيض بن عامر بن هاشم، فدعا عليه رسول الله فشلت يده أو بعض أصابعه .
وانحاز بعد ذلك بنو هاشم وبنو المطلب في شعب أبي طالب، سواء في ذلك مسلمهم وكافرهم – إلا أبا لهب – وقطعت عنهم الميرة والمادة. ومنع التجار من مبايعتهم ، فجهد القوم حتى أكلوا أوراق الشجر، والجلود ، وواصلوا الضر والفاقة، حتى سمعت أصوات النساء والصبيان يتضاغون جوعاً. ولم يكن يصل إليهم شيء إلا سراً، فكان حكيم بن حازم ربما يحمل قمحاً إلى عمته خديجة – رضي الله عنها – أما هم فكانوا لا يخرجون من الشعب إلا في الأشهر الحرم، فكانوا يشترون من العير التي تأتي من الخارج، إلا أن أهل مكة كانوا يزيدون عليهم في الثمن حتى لا يستطيعوا الشراء.
وكان رسول الله على رغم كل ذلك مستمراً في دعوته إلى الله ولا سيما في أيام الحج حينما كانت القبائل العربية تفد إلى مكة من كل صوب .
نقض الصحيفة وفك الحصار :
وبعد نحو ثلاث سنوات قدر الله أن ينتهي هذا العدوان، فألقى في قلوب خمسة من أشراف قريش أن يقوموا بنقض الصحيفة وفك الحصار، وأرسل الأرضة، فأكلت كل ما في الصحيفة من القطيعة والجوار ، ولم تترك إلا ذكر الله – سبحانه وتعالى – .
فأما أشراف قريش الخمسة فأولهم : هشام بن عمرو بن الحارث من بني عامر بن لؤي ، ذهب هذا الرجل إلى زهير أبن أبي أمية المخزومي – وهو ابن عاتكة عمة النبي، ثم إلى المطعم بن عدي، ثم إلى أبي البختري بن هشام، ثم إلى زمعة بن الأسود. فذكر كل واحد منهم بالقرابة والرحم، ولامهم على قبول الجور، وحضهم على نقد الصحيفة، فاجتمعوا عند خطم الحجون، واتفقوا على خطة يقومون بها لنقض الصحيفة .
وصباحاً حين قامت أندية قريش في المسجد الحرام جاء زهير وعليه حلة، فطاف بالبيت، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة ! نحن نأكل الطعام ، ونلبس الثياب ، وبنو هاشم وبنو المطلب هلكى ، لا يبيعون ولا يبتاعون ، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة الظالمة القاطعة .
فقال أبو جهل : كذبت، والله لا تشق .
فقال زمعة : أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت .
فقال أبو البختري : صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ، ولا نقربه .
وقال المطعم بن عدي : صدقتما ، وكذب من قال غير ذلك ، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها .
وصدقه أيضاً هشام بن عمرو .
فقال أبو جهل : هذا أمر قضي بليل. وتشوور فيه بغير هذا المكان .
وكان أبو طالب جالساً في ناحية المسجد، جاء ليخبرهم أن النبي أخبره أن الله سلط على صحيفتهم الأرضة ، فأكلت ما فيها من جور وقطيعة وظلم ، ولم تترك إلا ذكر الله . وقال بعدما أخبرهم بذلك : فإن كان كاذباً خلينا بينكم وبينه ، وإن كان صادقاً رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا. قالوا : أنصفت .
وقام المطعم على إثر رده على أبي جهل ليشق الصحيفة ، فوجدها قد أكلتها الأرضة ، إلا ” باسمك اللهم ” وما فيها من اسم الله. فكان ما أخبر به النبي آية من آيات الله رآها المشركون بأعينهم، لكنهم لم يزالوا مسترسلين في الغي .
أما الحصار فقد انتهى بعد ذلك، وخرج رسول الله ومن معه من الشعب .
وفد قريش بين يدي أبي طالب :
عادت الأمور بعد فك الحصار إلى ما كانت عليه من قبل. ولكن ما هي إلا أشهر حتى لحق أبا طالب المرض. وأخذ يشتد ويزداد، وكان قد جاور الثمانين ، فشعرت قريش أنه لا قيام له من هذا المرض، فاستشاروا فيما بينهم وقالوا: انطلقوا بنا إلى أبي طالب، فليأخذ عن ابن أخيه وليعطيه منا، فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون إليه شيء فتعيرنا به العرب. يقولون: تركوه حتى إذا مات عمه تنالوه ، فانطلقوا ودخلوا عليه وطلبوا منه أن يكف هو رسول الله عن آلهتهم، وهم يدعونه وإلهه. فدعاه أبو طالب وعرض عليه ما قاله القوم. فقال رسول الله: يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية ، ففزعوا وقالوا : كلمة واحدة ؟ نعم ! وأبيك عشراً. فما هي ؟ قال: لا إله إلا الله، فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم ، ويقولون: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ }.
Course Features
- Lectures 0
- Quizzes 0
- Duration 10 weeks
- Skill level All levels
- Language English
- Students 1
- Assessments Yes






